محمد جواد مغنية
123
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد
الامتثال ، بل يلزم نفي هذا الإيجاب ، لأن المفروض ان وجوب المهم مشروط بعصيان الأهم وخلو وقته منه ، وإذن فأين طلب الجمع بين الضدين والتكليف بالمحال ؟ بل المطلوب عدم الجمع . ولو كان القول بالترتب مستلزما لإيجاب الجمع بين الضدين ، ولم يكن للعصيان أي أثر - لكان هذا الإيجاب المحال لازما قهريا لامتثال الأمر بالأهم أيضا وعدم عصيانه حيث يكون كل من خطاب الأهم وخطاب المهم مطلقا وشاملا لزمان الآخر ، ولا قائل بذلك حتى من ذهب إلى استحالة الترتب وعدم إمكانه ، ولا يلزم شيء من ذلك على القول بالترتب حيث يكون خطاب الأهم مطلقا وخطاب المهم مقيدا بمعصية الأهم ، وكل منهما فرد من مطلق الخطاب . وتسأل : ان العصيان يسقط الواجب المؤقت الذي يفوت بفوات وقته ، ولا يسقط الواجب المطلق ، والمفروض ان الأمر بالأهم مطلق وغير مقيد ، وعليه يجتمع الأمر بإنقاذ الغريق والأمر بالصلاة عند إقامتها في ظرف عصيان الإنقاذ وتركه . وهذا هو إيجاب الجمع بين الضدين . الجواب : أجل ، ان خطاب الأهم لا يسقط بعصيانه ، ولكن لبقاء التكليف وعدم سقوطه معاني وآثارا تختلف تبعا لحال المكلف ، فإن كان متهاونا وغير مصر على المعصية يكون معنى عدم السقوط توبيخ المكلف وتهديده بالعقاب إذا لم يعدل عن موقفه وعناده ، وليس معناه أن يأتي بالمأمور به في حال تركه له ومخالفته لأمره ، لأن هذا تهافت وتناقض « 1 » . سؤال ثان : صحيح أن إيجاب الجمع بين الضدين محال ، ولكن طلب المحال هنا ليس بقبيح ، لأن المكلف هو الذي جنى على نفسه ، وأوقعها في هذا المحذور حيث ترك الأهم وخالفه بسوء اختياره ، ولو أنه منذ البداية ترك المهم وبادر إلى الأهم لسلم من غائلة التكليف بما لا يطاق . وقديما قيل : الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار . الجواب : ان التكليف بالمحال لا يسوغ بحال مهما كانت الأسباب ، لأنه لا يتفق والعدل
--> ( 1 ) أجاب النائيني عن هذا الاشكال بكلام طويل لا يخلو من اللف والدوران ! . لذا أعرضنا عنه وأجبنا بهذا الجواب المختصر الواضح في بساطته وقربه من الافهام .